أحمد مصطفى المراغي
174
تفسير المراغي
ثم بين أن الفراق قد يكون فيه الخير إذا لم يمكن الوفاق فقال : ( وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ) أي وإن يتفرق الزوجان اللذان يخافان ألا يقيما حدود اللّه ، بأن كره الرجل امرأته لدمامتها أو كبرها وأراد أن يتزوج غيرها أو كان عنده زوجان ولم يقدر على العدل بينهما - يغن اللّه كلا منهما عن صاحبه بسعة فضله ووافر إحسانه وجوده ، فقد يسخّر للمرأة رجلا خيرا منه ، كما يهيئ له امرأة أخرى تحصنه وترضيه وتقوم بشؤون بيته وأولاده ، ولن يكون كل منهما جديرا بعناية اللّه وإغنائه عن الآخر ، إلا إذا التزما حدود اللّه ، بأن اجتهدا في الوفاق والصلح وظهر لهما بعد التفكير والتروّى في الأسباب أنه غير مستطاع ، فافترقا وهما حافظان لكرامتهما عما يجعلهما عرضة للنقد ونهش العرض ، فإن ذلك مما يرغب الناس فيهما ، لما يرونه فيهما من الأخلاق الفاضلة وعدم التلاحي والتنابذ والتهاجى واختلاق الأكاذيب ، فالرجل ذو الخلق الكريم إذا علم أن امرأة اختلفت مع بعلها لأنها لم تقبل أن تعيش مع من يعرض عنها أو يترفع عليها بل أحبت أن تعيش معه بطريق عادلة - رأى فيها أفضل صفات الزوجية . وكذلك كرائم النساء وأولياؤهن يرغبون في الرجل إذا علموا أنه يمسك المرأة بمعروف أو يسرحها بإحسان ولا يلجئه إلى الطلاق إلا الخوف من عدم إقامة حدود اللّه . ( وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً ) أي وكان اللّه ولا يزال واسع الفضل والرحمة ، حكيما فيما شرعه من الأحكام التي جعلها وفق مصالح العباد . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 131 إلى 134 ] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً ( 131 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 132 ) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً ( 133 ) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 134 )